ما هو نمط التعلق عندي وهل له أثر؟
الإجابة المختصرة
نمط التعلق وصف لطريقتك في التصرف حين تشعر أن علاقة قريبة مهددة أو غير مستقرة. والبحث وراءه معتبر، وله أثر فعلي على بعض ما يجري في العلاقات. لكن ما لا تسنده الدراسات هو الصورة الشائعة: أربعة أنماط ثابتة تُصنَّف فيها ثم تبقى فيها. فالتعلق أقرب إلى موضع على بُعدين متصلين، وهو يتغير.
ما يراه القرّاء
هل ساعدتك معرفة أنماط التعلق في علاقاتك؟
التصويت مجهول. صوت واحد لكل قارئ.
خرجت فكرة التعلق من الأبحاث وصارت طريقة يعرّف بها الناس أنفسهم. تُستعمل لتفسير سلوك الشريك، ولتبرير سلوك النفس أحياناً، ولإنهاء علاقات قبل أن تبدأ. وبعض ذلك استعمال معقول لنتيجة حقيقية، وبعضه بعيد عما تقوله الدراسات. فالفكرة الأصلية مسنودة فعلاً، أما صورتها المتداولة على مواقع التواصل، حيث يُصنَّف الناس في أربعة صناديق ويُعاملون كأنهم ثابتون فيها، فليست ما وُضعت المقاييس لتفعله.
من أين جاءت الفكرة
وصف العمل الأول كيف يتصرف الرضّع حين يغيب مقدّم الرعاية ثم يعود. وفي الثمانينيات اقترح باحثون أن علاقات الراشدين العاطفية قد تعمل بنظام مشابه، ووجدوا أن الراشدين يصفون علاقاتهم بما يتوافق مع أنماط الرضّع وبنسب متقاربة عموماً[1]. وهذه الورقة أصل أغلب ما كُتب في تعلق الراشدين منذئذ. ويحسن الوضوح فيما أثبتته وما لم تثبته: أثبتت أن النمط قابل للتعرف عليه عند الراشدين وجدير بالدراسة، ولم تثبت أن نمطك اليوم محدَّد بطفولتك، والأدلة الطولية على هذا الادعاء تحديداً أضعف بكثير مما توحي به الرواية الشائعة.
بُعدان متصلان لا أربعة صناديق
حين حلّل الباحثون كيف يجيب الناس فعلاً على استبيانات التعلق، لم تتجمع الإجابات في أربع مجموعات، بل انتشرت على بُعدين متصلين: القلق، أي مقدار انشغالك بالهجر والرفض، والتجنب، أي مقدار عدم ارتياحك للقرب والاعتماد[2]. والأنماط الأربعة المعروفة أرباع مرسومة على هذه المساحة، ومن يوصف بالتعلق الآمن هو ببساطة من انخفضت درجتاه معاً. وليس هذا تدقيقاً أكاديمياً زائداً. فإن كان الواقع متصلاً، فأكثر الناس في الوسط لا في الأركان، وشخصان يحملان الوصف نفسه قد يختلفان كثيراً، والتحركات الصغيرة ممكنة وشائعة. الصنف يوحي بفئة تنتمي إليها، والدرجة توحي بموضع تشغله الآن.
ملاحظة على انتقال الفكرة إلى سياقنا
وُضع هذا الإطار في سياق تكون فيه رعاية الطفل في الغالب بين والدين اثنين أو مقدّم رعاية أساسي واحد. وفي البيوت التي يشارك فيها الجد والجدة والعمات والخالات في الرعاية اليومية، وهو شائع في المنطقة، تتوزع الرعاية على أكثر من شخص، وهو ما لم تُبنَ عليه المقاييس ولم يُختبر فيه كثيراً. ولا يعني ذلك أن الفكرة لا تنطبق، بل أن نقل استنتاجاتها عن أثر الطفولة نقلاً حرفياً غير مبرر، وأن الاستعمال الأسلم هو وصف ما تفعله أنت اليوم في علاقاتك، لا استنتاج ما فعله بك من رباك. وهذا التحفظ يضاف إلى تحفظ عام: أغلب هذه الدراسات أُجري على عينات غربية متعلمة، وهو ما ينبّه إليه الباحثون أنفسهم.
يعتمد على ماذا؟
ما الذي يغيّر الإجابة
أكثر إساءات الاستعمال شيوعاً معاملة الوصف بوصفه هوية لا ميلاً. فقولك إن تعلقك قلق يصف شيئاً تفعله في ظروف بعينها، غالباً حين تشعر أن العلاقة غير مستقرة. وهو لا يصف صفة ثابتة وليس تشخيصاً. والثانية تطبيقه على شخص آخر من بعيد، وغالباً لتفسير سلوك آلم صاحبه. فمقاييس التعلق مبنية على تقرير الشخص عن نفسه، ولا توجد طريقة موثوقة لتقييم الشريك من الخارج، والحكم الواثق على من انتهت معه العلاقة بأنه متجنب ليس نتيجة بحثية. ويجدر الانتباه أيضاً إلى أن هذا الإطار قد يصير وسيلة لتفادي تفسير أبسط: فقد لا يكون الشريك متجنباً، بل غير مهتم، أو مثقلاً بأمر لا صلة له، أو أن العلاقة لا تنجح لأسباب عادية لا تحتاج نظرية أصلاً.
حيث يختلف الناس
وجهتا النظر
يقف العقلاء في مواضع مختلفة من هذه المسألة. وهنا أقوى صياغة لكل رأي، لا نسخة ضعيفة من الرأي الذي نخالفه.
الحجة المؤيدة
- المقاييس مدروسة جيداً ومحسّنة عبر عقود، فالمفهوم ليس علم نفس شعبياً بل شيء يقيسه الباحثون بثبات.
- يمنح الإطار الناس لغةً لتجربة حقيقية كان يصعب وصفها، ويجدها كثيرون نافعة في فهم نمط يتكرر عندهم.
- درجات التعلق تتنبأ فعلاً بالرضا عن العلاقة وبسلوك الخلاف، فالمفهوم يستحق بعض ما يناله من اهتمام.
- لأن التعلق قابل للقياس وللتغير، فهو يعطي العلاج هدفاً محدداً بدل شعور غامض بأن شيئاً ما لا يسير.
الحجة المعارضة
- الصورة الشائعة عن أربعة أنماط تخالف البنية الحقيقية، وهي بُعدان متصلان، وتدفع الناس إلى التفكير بفئات ثابتة.
- ارتباط التعلق بنتائج العلاقات متوسط، وتقديمه بوصفه التفسير الأساسي لمسار الزواج مبالغة كبيرة في قراءة الأدلة.
- يُستعمل باستمرار لتشخيص شريك غائب، وهو ما لا تحتمله مقاييس مبنية على التقرير الذاتي.
- قد تصير التسمية تفسيراً يُنهي البحث بدل أن يبدأه، وقد تُستعمل لتبرير سلوك له سبب عادي وعلاج عادي.
الأدلة
ما تقوله الأبحاث
- أدلة متوسطةبضع مئات من الراشدين
وصف الراشدون علاقاتهم العاطفية بعبارات توافق أنماط تعلق الرضّع الثلاثة وبنسب متقاربة عموماً، وهو ما أسس دراسة تعلق الراشدين.
Hazan, C., & Shaver, P., Romantic love conceptualized as an attachment process (1987)(يفتح في تبويب جديد)ما لا تثبته هذه الدراسة
اعتمدت الدراسات الأولى على عينات استجابت لاستبيان في صحيفة وعلى تقرير استرجاعي عن الطفولة، وهو أساس ضعيف لاستنتاج أن أنماط الراشدين ناتجة عن أنماط الرضاعة. أثبتت الورقة تشابهاً لا مساراً تطورياً.
- أدلة قويةأكثر من ألف مشارك
أظهر تحليل استبيانات تعلق الراشدين بنظرية استجابة المفردة أن الإجابات تُمثَّل تمثيلاً أفضل ببُعدين متصلين هما القلق والتجنب لا بفئات منفصلة.
Fraley, R. C., Waller, N. G., & Brennan, K. A., An item response theory analysis of self-report measures of adult attachment (2000)(يفتح في تبويب جديد)ما لا تثبته هذه الدراسة
هذه نتيجة عن بنية المقاييس وعن طريقة إجابة الناس عليها. تثبت أن الفئات تسيء تمثيل البيانات، ولا تحدد بذاتها قوة تنبؤ أي من البعدين بنتائج العلاقات في الواقع.
- أدلة متوسطةتجميع لدراسات كثيرة
تذكر المراجعات ارتباطات معتبرة لكنها متوسطة بين التعلق والرضا عن العلاقة وسلوك الخلاف، مع أدلة على أن التعلق يتغير عبر الزمن ويتفاوت بين علاقة وأخرى.
Fraley, R. C., Attachment in Adulthood: Recent Developments, Emerging Debates, and Future Directions (2019)(يفتح في تبويب جديد)ما لا تثبته هذه الدراسة
تجمع المراجعات دراسات متفاوتة الجودة، وأغلب البحث الأساسي ارتباطي ومقطعي، فلا يمكنه تحديد هل يشكّل التعلق العلاقات أم تشكّله العلاقات أم كلاهما. والعينات في الغالب غربية.
كيف نقيّم قوة الأدلة
- أدلة قوية
- دراسات مستقلة متعددة، تشمل تكرارات أو تحليلات بعدية، تشير إلى النتيجة نفسها.
- أدلة متوسطة
- تدعمها عدة دراسات، غير أن العينات محدودة أو النتائج تتفاوت بحسب الفئة المدروسة.
- أدلة محدودة
- أدلة أولية أو صغيرة أو من دراسة واحدة. تعامل معها كفرضية معقولة لا كحقيقة مستقرة.
- محل خلاف
- يختلف باحثون جادّون حولها، أو تشير الأدلة في اتجاهات متعارضة.
مقارنة
وجهات نظر مختلفة
تجيب التقاليد والتخصصات عن هذا السؤال إجابات مختلفة. نحن نصف ما يقوله كل منها، ولا نقول لك أيها الصواب، ولا يتحدث أي تقليد بصوت واحد.
من منظور المختصين
يستعمل المختصون أفكار التعلق وصفاً عملياً لا تصنيفاً. فالنافع في الجلسة ليس أن الشخص قلق التعلق، بل أنه يتصاعد بانتظام حين يصمت شريكه، وأن كليهما صار يرى التسلسل لا نتائجه فقط. والعلاج الزوجي المركز على الانفعالات مبني على هذا الإطار إلى حد كبير. ويذكر المختصون أيضاً العطب الشائع في النسخة الشعبية: مراجع يصل وقد اقتنع بنمطه سلفاً فيستعمله لتفسير سلوكه بدل فحصه. وهذا وصف للممارسة السائدة لا نتيجة تجربة محكمة.
من منظور بحثي
الباحثون في هذه المقاييس أكثر تحفظاً من الكتابات الشعبية عنها. ونقاطهم المتكررة أن الأبعاد متصلة، وأن أحجام الأثر متوسطة، وأن كثيراً من الأدلة مقطعي فلا يحدد اتجاه السببية، وأن ادعاء الاستمرارية من الرضاعة إلى الرشد هو أضعف أجزاء الرواية الشائعة. ولا يجعل ذلك المفهوم بلا قيمة، بل يجعله عاملاً واحداً مقيساً قياساً معقولاً بين عوامل كثيرة، وهو ادعاء أصغر مما يُقال عنه عادةً.
من منظور مدني
يتعامل هذا الإطار مع التعلق بوصفه وصفاً تجريبياً نافعاً لميول سلوكية ويقف عند ذلك. فهو لا يقرر ما يستحقه الشريك ولا نوع العلاقة التي ينبغي أن يريدها المرء. وعليه فمعرفتك أنك تميل إلى القلق على الهجر معلومة يمكنك التصرف بها، كمعرفتك أن نومك يسوء قبل موعد نهائي. وهي تفسّر ميلاً ولا تعفي من نتائجه، وتبقى مسؤولية معاملتك للناس عليك أياً كانت درجتك.
من منظور مسيحي
تتفاوت المواقف المسيحية من نظرية التعلق تفاوتاً واسعاً. فكثير من المرشدين الرعويين يتبنونها بيسر، ويرون فيها وصفاً لكون الإنسان مجبولاً على الاعتماد على غيره، وهو ما يتسق عندهم مع تصورات لاهوتية عن العلاقة والعهد. وآخرون أكثر تحفظاً، خشية أن ينزلق إطار يفسّر السلوك بالخبرة المبكرة إلى إسقاط المسؤولية الأخلاقية. والموقفان موجودان في الممارسة المسيحية، والخلاف على التشديد لا على صحة علم النفس.
من منظور إسلامي
لا يتناول التراث الإسلامي نظرية التعلق لأنها إطار نفسي حديث، لكنه يتناول بإسهاب ما بين الزوجين من التزامات وجدانية، ومنه المودة والرحمة اللتان ذكر القرآن أنهما جُعلتا بينهما. ويتعامل كثير من المرشدين الأسريين المسلمين مع نتائج التعلق بوصفها وصفاً عملياً لا يعارض ذلك، فيستعملونها في الوصف ويُبقون التكليف حيث وضعه الشرع. ومما يُذكر أيضاً أن التوسع في تفسير سلوك المرء بطفولته لا ينبغي أن ينتهي إلى رفع المسؤولية عن معاملته لأهله. وهذا عرض لمنطق أحد الأطر لا حكم عام.
خطوات عملية
ما يمكنك فعله فعلاً
إن أردت درجاتك الفعلية لا نسخة المجلات، فابحث عن مقياس تجارب العلاقات القريبة، فهو يعطي القلق والتجنب منفصلين بدل أن يمنحك صنفاً.
تعامل مع النتيجة بوصفها وصفاً لموضعك الآن لا حكماً. فالتعلق المقاس اليوم ليس التعلق بعد خمس سنوات ولا مع شريك آخر.
انتبه إلى الظروف لا إلى التسمية. فالمفيد هو معرفة أي المواقف تُشعل النمط، لأن هذا ما يمكن العمل عليه فعلاً.
قاوم تصنيف شريكك. فإن أردت معرفة كيف يعيش القرب، فالطريق الموثوق سؤاله لا الاستنتاج من سلوك آلمك.
إن تكرر النمط، فالمعالج الذي يعمل بمنهج التعلق يعالجه مباشرةً، ولا يشترط ذلك أن تكون قد حدّدت صندوقك الصحيح أولاً.
يستحق التصحيح
مفاهيم خاطئة شائعة
أن هناك أربعة أنماط ثابتة. تجد التحليلات العاملية للاستبيانات بُعدين متصلين، والأنماط مناطق على الخريطة لا فئات طبيعية.
أن نمطك تحدد في الطفولة ولا يتغير. تعلق الراشدين يتحرك مع العلاقات وظروف الحياة، والأدلة على الاستمرارية القوية من الرضاعة إلى الرشد أضعف مما يُروى.
أن لك نمطاً واحداً في كل علاقاتك. يُقاس التعلق عاماً وخاصاً بعلاقة بعينها، وكثيراً ما يختلف الشخص بين شريك وآخر.
أن التعلق الآمن يعني انعدام القلق على العلاقة. هو انخفاض في الدرجتين لا غياب للقلق.
أنك تستطيع تحديد نمط غيرك من سلوكه. المقاييس مبنية على تقرير الشخص عن نفسه ولم توضع لتقييم طرف ثالث.
باختصار
الخلاصات الأساسية
التعلق يوصف ببُعدين متصلين هما القلق والتجنب لا بأربعة أنماط منفصلة.
بحث علميدرجات التعلق تتنبأ بالرضا وبسلوك الخلاف تنبؤاً متوسطاً لا مهيمناً.
بحث علميالتعلق يتغير مع الوقت وقد يختلف بين العلاقات، فالتسمية تصف موضعاً حالياً لا صفة دائمة.
بحث علميمقاييس التقرير الذاتي لا تصلح لتشخيص الشريك من الخارج، وهو أكثر إساءات استعمال هذا الإطار.
بحكم التعريف
يستحق القول
متى تطلب مساعدة مختص
يُنظر في مراجعة مختص إذا تكرر النمط المؤلم نفسه عبر عدة علاقات ولم تجد مخرجاً منه من الداخل، أو إذا صار القلق على علاقة يؤثر في نومك أو عملك أو صحتك. فالمعالج يعمل على النمط مباشرةً لا عبر تسمية. وإذا خرجت من القراءة في هذا الباب مقتنعاً بأنك غير صالح للعلاقات أصلاً، فهذا استنتاج يستحق أن يُفحص مع مختص، لأنه ادعاء أكبر بكثير مما تسنده الأبحاث.
ما زلت تتساءل
أسئلة ذات صلة يطرحها الناس
المقياس البحثي الأوسع استعمالاً هو استبيان تجارب العلاقات القريبة، ويعطي درجتين منفصلتين للقلق والتجنب بدل أن يمنحك صنفاً. وتنتشر نسخ مجانية منه على الإنترنت تعطي مؤشراً معقولاً. عامل الرقمين بوصفهما النتيجة، والتسمية بوصفها تلخيصاً تقريبياً لهما.
المجتمع
ما يقوله آخرون
هؤلاء قرّاء يصفون علاقاتهم الخاصة، وليسوا مختصين. خذها على أنها تجربة لا نصيحة، ونرجو ألا تذكر أسماء أحد.
لم يشارك أحد تجربته بعد. إن كنت قد مررت بهذا فستكون أول من يشارك، وربما أنفع ما في هذه الصفحة.
تحقّق من عملنا
المصادر
- [1]Romantic love conceptualized as an attachment process(يفتح في تبويب جديد)
Hazan, C., & Shaver, P. · Journal of Personality and Social Psychology · 1987
- [2]An item response theory analysis of self-report measures of adult attachment(يفتح في تبويب جديد)
Fraley, R. C., Waller, N. G., & Brennan, K. A. · Journal of Personality and Social Psychology · 2000
- [3]Attachment in Adulthood: Recent Developments, Emerging Debates, and Future Directions(يفتح في تبويب جديد)
Fraley, R. C. · Annual Review of Psychology · 2019