«نصف الزيجات تنتهي بالطلاق»: توقّع قديم لا إحصاء
أكثر رقم يتردد في الحديث عن الزواج لم يكن قياساً لشيء وقع، بل تقديراً لما كان يمكن أن يقع لو استمرت اتجاهات عقد واحد إلى ما لا نهاية.
تتردد هذه العبارة في الأعراس، وفي الأفلام، وعلى لسان قريب أراد أن ينصحك قبل أن تُقدم على الزواج. تُقال حيناً على سبيل التحذير، وحيناً على سبيل التسليم بما لا يُرد، وأحياناً حجةً على أن الأمر لا يستحق العناء أصلاً.
غير أن هذه النسبة ليست قياساً لشيء وقع فعلاً. لم يُحصِ أحد مئة زواج ثم تابعها حتى انهار نصفها. نشأ الرقم تقديراً لما كان يمكن أن يحدث للأزواج الذين تزوجوا في عقد بعينه، لو ظلت اتجاهات ذلك العقد على حالها إلى ما لا نهاية.
ولأن تلك الاتجاهات لم تظل على حالها، بقي الرقم وحده بلا سند.
من أين جاء الرقم
في سبعينيات القرن الماضي ارتفعت معدلات الطلاق في الولايات المتحدة ارتفاعاً حاداً، إذ انتشرت قوانين الطلاق دون إثبات خطأ ولايةً بعد ولاية، واتسعت مشاركة النساء في سوق العمل، وتحرر في سنوات قليلة تراكمٌ من الزيجات المتعثرة التي كان الخروج منها عسيراً قبل ذلك.
ومن هنا جاء التقدير: لو استمر الصعود على وتيرته تلك، لانتهى نحو نصف الزيجات المعقودة في تلك السنوات بالطلاق. وكان تقديراً وجيهاً بالنظر إلى المعطيات المتاحة حينها.
لكن المعدل بلغ ذروته حوالي عام 1980، ثم أخذ في التراجع منذ ذلك الحين[1]. أما التوقع فلم يُصحَّح في الأذهان قط، ذلك أن رقماً مقلقاً أيسر تداولاً من رقم دقيق.
ما تقوله البيانات
أدق مقياس للطلاق هو عدد حالاته لكل ألف امرأة متزوجة، لأنه يأخذ في الحسبان عدد المتزوجين أصلاً. أما القسمة الشائعة بين عدد حالات الطلاق وعدد حالات الزواج في العام نفسه، فتقارن بين مجموعتين مختلفتين من الناس، ولا تصلح مقياساً.
ووفق المقياس الأول، تراجع الطلاق في الولايات المتحدة على مدى أربعة عقود. يتابع المركز الوطني لأبحاث الأسرة والزواج في جامعة بولينغ غرين هذا المؤشر وينشر بياناته[2]، فيما تنشر المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها الأعداد الرسمية للزواج والطلاق التي تُبنى عليها هذه التقديرات[3].
والتراجع غير متساوٍ بين الأجيال. فمن تزوجوا بعد عام 2000 يتطلقون بنسب أقل بوضوح ممن تزوجوا في السبعينيات والثمانينيات، عند المرحلة نفسها من عمر الزواج. وفي المقابل رصد مركز بيو للأبحاث اتجاهاً معاكساً أقل تداولاً، وهو ارتفاع الطلاق بين من تجاوزوا الخمسين[4].
ملاحظة تخص القارئ العربي
الأرقام السابقة أمريكية، والمقولة نفسها نشأت في سياق أمريكي ثم انتقلت إلى غيره. غير أنها تُتداول اليوم في العالم العربي وكأنها حقيقة عامة، وهنا يقع اللبس.
فمعدلات الطلاق في البلدان العربية تتفاوت تفاوتاً واسعاً فيما بينها، وتتغير بسرعة في بعضها، وتُحتسب بطرائق غير موحدة تجعل مقارنتها المباشرة بالأرقام الأمريكية مضللة. والمرجع الصحيح هنا هو جهاز الإحصاء الوطني في بلدك، لا رقم متداول عابر للحدود.
والخلاصة العملية واحدة في الحالتين: إن أردت رقماً يعنيك أنت، فلن تجده في إحصاء عام، أياً كان مصدره.
ماذا يعني هذا لزواجك
لا يكاد معدل الطلاق العام يخبرك شيئاً عن زواجك أنت، لأنه متوسط يجمع كل الزيجات في بلد بأسره: الأولى والرابعة، وزواج من في التاسعة عشرة وزواج من في الأربعين، وما عُقد تحت ضغط مالي وما عُقد بعد سنوات من العِشرة. واحتمالك أنت ليس متوسط هؤلاء.
أما ما يتنبأ فعلاً بمآل زوجين بعينهما فأمور أخرى: العمر عند الزواج، والاستقرار المالي، والتعليم، وسبق الطلاق لأحد الطرفين، وطريقة إدارتهما للخلاف. وهذه تتفاوت تفاوتاً هائلاً بين زوجين وآخرين، وهي أجدى بما لا يقاس من أي نسبة عامة. بعضها خارج عن إرادتك، وبعضها في يدك.
إحصاء عن غرباء ليس حكماً عليك، ولا ضماناً لك.
الخلاصة الصادقة أقل إثارة من المقولة، ولهذا خسرت أمامها. ارتفع الطلاق ارتفاعاً حاداً، وبلغ ذروته نحو عام 1980، ثم ظل يتراجع أربعين عاماً. أما نسبة الخمسين بالمئة فكانت تقديراً معقولاً تبيّن خطؤه، ثم عمّرت بعد تصحيحه أربعة عقود.
ومن يرددها أمامك ليس كاذباً، وإنما يكرر تخميناً قديماً عن المستقبل استقر مع الوقت في الأذهان كأنه حقيقة مقررة.
المصادر
- [1]Family Profiles: divorce rate in the U.S.(يفتح في تبويب جديد)
National Center for Family & Marriage Research, Bowling Green State University
- [2]National Center for Family & Marriage Research data series(يفتح في تبويب جديد)
Bowling Green State University
- [3]Marriage and Divorce(يفتح في تبويب جديد)
National Center for Health Statistics, U.S. Centers for Disease Control and Prevention
- [4]Led by Baby Boomers, divorce rates climb for America's 50+ population(يفتح في تبويب جديد)
Pew Research Center · 2017
المزيد من المدونة
- بحث8 دقائق قراءة
أوسع دراسة عن جودة العلاقات وجدت أن هوية شريكك لا تكاد تهمّ
جمع ستة وثمانون باحثاً 43 دراسة طولية وأطلقوا التعلّم الآلي على 2413 متغيراً. ولم تكن أقوى نتيجة أيُّ سمة فازت، بل صنف كامل من السمات خسر.
- شرح مبسّط7 دقائق قراءة
لم يتفق معظم الأزواج يوماً على معنى «الخيانة»
يفترض كل زوجين تقريباً أنهما يتشاركان تعريفاً واحداً للخيانة، وقليلون تحققوا من ذلك. واكتشاف الاختلاف في اللحظة الخطأ أشد وقعاً من السلوك نفسه.