تخطَّ إلى المحتوى
خرافة شائعة9 دقائق قراءة

نسبة الـ90% في التنبؤ بالطلاق قيست على الأزواج الذين بُني عليهم النموذج نفسه

مختبر يشاهد زوجين يتجادلان ربع ساعة، ثم يحدّد مصير زواجهما بدقة تتجاوز تسعين بالمئة. الرقم حقيقي وحسابه سليم. لكنه ليس تنبؤاً، والفرق بين الأمرين هو القصة كلها.

فريق تحرير RelationshipAdvicesRead in English
رجل وامرأة يجلسان على طرفي طاولة في خضم حديث صعب
صورة لـ Vitaly Gariev على Unsplash · رخصة Unsplash

لعلّك صادفتها في مقطع قصير، أو في دورة تدريب أسري، أو في منشور عن أسرار الزواج الناجح: عالِم أمريكي يشاهد زوجين يتجادلان خمس عشرة دقيقة، ثم يتنبأ بدقة تتجاوز تسعين بالمئة بما إذا كان زواجهما سينتهي بالطلاق.

وفي تداولها العربي تسقط المراجع عادةً بالكامل. يقال «أثبتت دراسة» أو «يقول علماء النفس»، فلا اسم للدراسة ولا حجم لعيّنتها ولا سنة لنشرها. يصل الرقم إلى القارئ عارياً من كل ما يمكّنه من تقييمه، فلا يبقى أمامه إلا تصديقه أو رفضه بلا سبب في الحالتين.

والأرقام نفسها حقيقية. حُسبت حساباً صحيحاً، وخرجت من عمل صبور ومكلف، ولم يقصد أصحابها تضليل أحد. لكن المشكلة كامنة داخل كلمة «الدقة» نفسها.

فهذه الأرقام صادرة عن نماذج بُنيت ثم قُيّمت على الأزواج أنفسهم. والنموذج الذي يُختبر على البيانات التي صُنع منها إنما يخبرك بمدى مطابقته لها. هو وصف لأناس كانت نتائجهم معروفة سلفاً لحظة كتابة الوصف، والوصف ليس تنبؤاً بأحد.

العمل الذي أنتج الرقم

لنبدأ بما جرى فعلاً، فهو يستحق احتراماً أكبر مما تمنحه له الأسطورة المتداولة حوله.

كان جون غوتمان وروبرت ليفنسون يستقبلان أزواجاً في مختبر مصمّم ليشبه شقة سكنية، ويطلبان منهما مناقشة خلاف حقيقي قائم بينهما نحو خمس عشرة دقيقة، ثم يسجّلان الجلسة. تُرمَّز تعابير الوجه والكلام ثانيةً بثانية وفق نظام ثابت، ويُقاس معدل ضربات القلب وتوصيل الجلد طوال الوقت. ثم يُتابَع الأزواج سنوات لمعرفة ما آلوا إليه[1].

من هذا المسار خرجت نسب الدقة. تابعت دراسة نُشرت عام 1998 عدد 130 زوجاً حديثي الزواج ست سنوات، وأفادت بأن الطلاق والاستقرار صُنّفا بدقة 83 بالمئة[2]. وسلكت دراسة أسبق طريقاً مختلفاً، إذ حاورت 52 زوجاً عن تاريخ علاقتهم، كيف التقيا، وكيف قررا الزواج، وكيف كانت السنوات الصعبة، وأفادت بدقة تتجاوز 94 بالمئة في تحديد من انفصل بعد ثلاث سنوات[5]. وهذه الـ94 بالمئة، المستخرجة من 52 زوجاً، هي المصدر الأصلي لمعظم أرقام التسعينيات المتداولة اليوم.

ولا يكاد شيء مما يلي من نقد يمسّ إتقان هذا العمل. فأنظمة الترميز كانت مضنية، والمتابعة طويلة، وملاحظة ما يفعله الأزواج بدل سؤالهم عن حال زواجهم كانت خطوة منهجية حقيقية إلى الأمام. الخلاف كله ينصبّ على معنى النسبة الناتجة، لا على طريقة الوصول إليها.

الوصف والتنبؤ ليسا شيئاً واحداً

هنا يكمن التمييز الذي تخفيه نسبة الدقة، وهو جدير بأن نتمهّل عنده، لأن معظم القراء لم يشرحه لهم أحد قط، ولأنه ليس صعباً حين يُشرح.

افترض أن بين يديك 52 زوجاً، وأنك تعرف سلفاً من انفصل منهم. ولديك أيضاً قياسات كثيرة جداً عن كل منهم: كم مرة أدار أحدهما عينيه استخفافاً، وكم ارتفع نبضه، وبأي كلمات وصف يوم زفافه. فتأخذ في البحث عن تركيبة من هذه القياسات تفرز الأزواج إلى المجموعتين اللتين تملك إجابتيهما أصلاً.

ستجد تركيبة. بل يكاد يكون العثور عليها مضموناً متى كثرت القياسات وقلّ عدد الأزواج، لأن لا شيء يمنعك من تعديل القاعدة مرة بعد مرة إلى أن يستقيم الفرز. والقاعدة التي تنتهي إليها تطابق هؤلاء الـ52 مطابقة ممتازة. وهذا تحديداً ما تقيسه الـ94 بالمئة: مدى مطابقة قاعدة اختيرت لأنها تطابق.

أما هل تقول هذه القاعدة شيئاً عن الزوج الثالث والخمسين، فسؤال منفصل تماماً، والنسبة لا تجيب عنه ولا تستطيع. فأولئك الاثنان والخمسون استُهلكوا في بناء القاعدة، ولم يعد ممكناً استعمالهم في اختبارها.

والنسخة اليومية من هذا هي ورقة أسئلة سابقة حفظتَ إجاباتها. ستحصل على الدرجة الكاملة فيها. والدرجة حقيقية ولم تغشّ لتنالها، لكنها لا تخبرك بشيء عن أدائك في ورقة لم ترها، لأن ما قيس هو تذكّرك لتلك الورقة بعينها لا معرفتك بالمادة.

والسبيل الوحيد لمعرفة ما إذا كانت قاعدة ما تتنبأ فعلاً هو توجيهها إلى أناس لم يشاركوا في صناعتها. ويسمّي الإحصائيون هذا «التحقق المتقاطع»، وليس تقنية نادرة تُدّخر للحالات العسيرة، بل هو المعيار المعتاد. وهو الخطوة التي قفزت فوقها هذه الأرقام الشهيرة.

ماذا حدث حين أجرى أحدهم التحقق المتقاطع

في عام 2001 نشر ريتشارد هيمان وإيمي سميث سليب الاختبار الغائب[3].

لم يعيدا بناء مختبر غوتمان. أخذا بيانات أرشيفية من المسح الوطني للعنف الأسري لعام 1985، وهو مسح كبير وممثّل على المستوى الوطني، وكوّنا منها عيّنة من 528 شخصاً: 176 ممن وقع طلاقهم، و176 ممن سجّلوا أعلى درجات الخلاف الزوجي، و176 ممن سجّلوا أدناها. ثم بنيا نموذجاً للتنبؤ بالطلاق بالطريقة المعتادة على نصف العيّنة، وحجزا النصف الآخر جانباً.

على النصف الذي بُني منه النموذج بدا الأداء ممتازاً. دقة إجمالية 90 بالمئة، والتقاط صحيح لـ92 بالمئة ممن وقع طلاقهم فعلاً.

أما على النصف الذي لم يره النموذج قط، فهبطت الدقة الإجمالية إلى 69 بالمئة، وهبطت نسبة المطلّقين الذين التقطهم من 92 بالمئة إلى 46 بالمئة. أي أنه حين وُجّه إلى أزواج لا يعرفهم سلفاً، أفلتت منه حالات الطلاق أكثر مما التقط.

والرقم الأكشف هو الذي لا يقتبسه أحد. فمن بين من صنّفهم النموذج متجهين إلى الطلاق، هبطت نسبة من تطلّقوا فعلاً من 65 بالمئة في عيّنة البناء إلى 29 بالمئة في العيّنة المحجوزة. ثم تأتي مشكلة ثانية فوق الأولى: ثلث العيّنة كان مطلّقاً بحكم تصميمها، وهي نسبة أعلى بكثير من الواقع. وبتعديل الحساب على معدل طلاق واقعي في المجتمع يقارب 16 بالمئة، ينزل الرقم إلى 21 بالمئة. أي أن نحو أربعة من كل خمسة أزواج حكم عليهم النموذج بالانفصال كانوا سيبقون معاً.

وكانت خلاصة هيمان وسليب ضيّقة، بل معتدلة إذا نظرنا إليها اليوم: نتائج التنبؤ التي تُنشر بلا تحقق متقاطع ينبغي التعامل معها بحذر شديد مهما بدت باهرة، لأن البهاء هو بالضبط ما ينتجه تفصيل النموذج على مقاس بياناته.

النتائج التي تصمد أمام هذا كله

لا شيء مما سبق يمسّ الملاحظات نفسها، والملاحظات هي الجزء الجدير بالبقاء.

فترميز أحاديث الخلاف يفصل فعلاً بين الأزواج المتعثرين وغير المتعثرين. والازدراء، أي التهكّم والسخرية وإدارة العين استخفافاً من موقع الاستعلاء، يظهر في العلاقات المتعثرة أكثر من أي نمط آخر في القائمة، ويحمل إشارة أقوى مما يحمله مجرد كثرة الشجار. والأزواج الذين تسير علاقتهم على خير يحافظون فعلاً على نسبة دفء إلى عدائية داخل الخلاف أعلى بكثير من غيرهم. هذه دعاوى وصفية عن اختلاف مجموعتين، وهي ما صُمّم نظام الترميز لالتقاطه، وهو يلتقطه.

وليست نتيجة صغيرة. فقبل هذا المسار البحثي كان جانب كبير من أبحاث الأزواج يقوم على سؤال الناس عن حال زواجهم، وهو سؤال يجيب عنه الناس إجابة رديئة لأسباب تمتد من تجميل الذات إلى الجهل الصادق بالجواب. أما مشاهدة ما يفعله الزوجان وترميزه ترميزاً متسقاً فكانت تقدّماً حقيقياً، والفئات التي أنتجها نافعة إلى حدّ أنها خرجت من الأكاديميا إلى الناس.

لكن ما يجب أن يبقى ملتصقاً بها هو أن الفرق بين مجموعتين ليس احتمالاً معلّقاً في رقبة شخص. فكون الازدراء أكثر شيوعاً في العلاقات التي انتهت حقيقةٌ عن العلاقات التي انتهت. وليس نسبة مئوية لاحتمال أن تنتهي علاقتك أنت.

ويستحق التنويه أن صياغة معهد غوتمان نفسه اليوم أدقّ من المقولة المتداولة. فصفحة الأسئلة الشائعة عن أبحاثه تصوغ النتيجة على أنها تحديد أن زوجين بعينهما «يسلكان سلوك الأزواج الذين كانوا في المجموعة التي انتهت إلى الطلاق»[6]. وهذا قول عن التشابه، وهو قول يمكن الدفاع عنه بهذه الأدلة. وهو أيضاً أضعف بكثير مما يُقال باسمه على ألسنة من قرأوه في كتاب.

كما أن النقاش العلمي هنا جرى في العلن وبقي مفتوحاً لا محسوماً. فقد أثار سكوت ستانلي وتوماس برادبري وهاورد ماركمان عام 2000 مجموعة مخاوف متصلة بسرعة تحويل نتائج هذا البرنامج البحثي إلى برامج تدخّل للأزواج، وردّ غوتمان في العدد نفسه من المجلة نفسها[4]. وهكذا يبدو خلاف حيّ بين باحثين جادّين.

كيف يبدو التنبؤ الحقيقي

أنفع ما يمكن حمله من هذا كله اختبار تطبّقه على الرقم الواثق التالي الذي يصادفك، في هذا الحقل أو في غيره.

فدعوى التنبؤ عليها أن تفعل ثلاثة أشياء: أن تعلن القاعدة قبل معرفة النتائج لا بعدها، وأن تطبّقها على أناس لم يشاركوا في تركيبها، وأن تعلن نسبة الإصابة على خلفية معدل واقعي في المجتمع لا معدل صنعته طريقة اختيار العيّنة حين جعلت ثلثها مطلّقاً.

وقد فعلت أكبر محاولة حديثة للتنبؤ بمآلات العلاقات هذا بالضبط. فقد جمع سامانثا جويل وبول إيستويك و84 باحثاً آخر 43 قاعدة بيانات طولية تغطي أكثر من 11 ألف زوج، ودرّبوا نماذجهم على بعضها، ثم اختبروها على قواعد لم تلتقِ بها النماذج قط[7]. وكل متنبئ نجح داخل عيّنته وحدها سقط عند العبور واستُبعد. ولهذا جاءت قائمة الناجين قصيرة ومتواضعة وأقل قابلية للاقتباس بكثير من نسبة مئوية واحدة لافتة. وقد تناولنا ما توصّلت إليه تلك الدراسة في مقال منفصل، والمهم هنا الإجراء لا النتائج.

والنمط يتجاوز هذا الموضوع. فقائمة قصيرة أمينة من المتنبئات ستخسر دائماً سباق الانتباه أمام رقم واحد مبهر، والرقم المبهر يكون في الغالب مبهراً لأن الاختبار الذي اجتازه اختبار لم يكن ممكناً أن يرسب فيه.

ماذا يعني هذا لك

إن كنتَ تحمل نسبة التسعين بالمئة في داخلك كحكم صدر عليك، فضعها من يدك. لم يبرهن أحد قط على قدرته على النظر في حديث خلاف بينكما ثم إخبارك أين تنتهي علاقتك. والبرهان الذي كان سيثبت ذلك قد جُرّب فعلاً، وما أنتجه نموذج أصاب في نحو واحد من كل خمسة من أحكامه.

وهذا يقطع في الاتجاهين، ولذلك ليست هذه نتيجة مطمئنة ببساطة. فإذا لم يكن الفرسان الأربعة حكماً بالإعدام، فغيابهم ليس براءة كذلك. فكم من زواج انتهى دون أن يدير أحد عينيه استخفافاً قط، وكم من علاقة تنهار بهدوء بطرق لا يلتقطها تسجيل من خمس عشرة دقيقة.

أما ما تسنده الأدلة فهو الدعوى الوصفية، والدعاوى الوصفية أنفع للفرد من التنبؤات على أي حال. فالازدراء جدير بأن يؤخذ على محمل الجدّ، لا لأنه ينبئ بشيء، بل لما هو عليه في ذاته: طريقة في مخاطبة إنسان يُفترض أنك في صفّه، من موقع فوقه. وإن صار هو النبرة التي تجري بها خلافاتكما، فتلك معلومة عن العلاقة التي أنت فيها الآن، والآن هو الشيء الوحيد الذي يمكنك التصرف حياله.

التنبؤ لا يترك لك إلا الانتظار لترى هل يتحقق. أما وصف كيف مضى خلاف يوم الثلاثاء فشيء يستطيع اثنان تغييره يوم الأربعاء.

أرقام دقة التنبؤ بالطلاق نتجت عن تفصيل نماذج على عيّنات صغيرة ثم تقييم تلك النماذج على العيّنات نفسها، وهو قياس للمطابقة لا لبُعد النظر. والمحاولة الجادة الوحيدة المنشورة للتحقق المتقاطع من هذا المنهج على بيانات لم يُبنَ منها رأت الدقة تهبط من 90 بالمئة إلى 69 بالمئة، ورأت نسبة من تطلّقوا فعلاً بين من صُنّفوا مهدّدين تهبط إلى نحو 21 بالمئة بعد تطبيق معدل طلاق واقعي.

أما الملاحظات السلوكية تحت ذلك كله فشأن آخر، وهي صامدة في معظمها. فالازدراء هو فعلاً أشد ما في القائمة تآكلاً للعلاقة، وترميز الملاحظة يفرّق فعلاً بين الأزواج المتعثرين وغيرهم. والذي بيع أكثر مما يستحق لم يكن الملاحظة قط، بل القفزة من وصف مجموعة إلى التنبؤ بشخص.

المصادر

  1. [1]
    Marital processes predictive of later dissolution: Behavior, physiology, and health(يفتح في تبويب جديد)

    Gottman, J. M., & Levenson, R. W. · Journal of Personality and Social Psychology · 1992

  2. [2]
    Predicting marital happiness and stability from newlywed interactions(يفتح في تبويب جديد)

    Gottman, J. M., Coan, J., Carrère, S., & Swanson, C. · Journal of Marriage and the Family · 1998

  3. [3]
    The hazards of predicting divorce without crossvalidation(يفتح في تبويب جديد)

    Heyman, R. E., & Slep, A. M. S. · Journal of Marriage and Family · 2001

  4. [4]
    Structural flaws in the bridge from basic research on marriage to interventions for couples(يفتح في تبويب جديد)

    Stanley, S. M., Bradbury, T. N., & Markman, H. J. · Journal of Marriage and Family · 2000

  5. [5]
  6. [6]
  7. [7]

كتبه فريق تحرير RelationshipAdvices. نحن فريق بحثي وتحريري، ولسنا معالجين مرخّصين، وما تقرأه هنا تثقيف عام لا نصيحة تخص حالتك. كيف نعمل.

الطلاقمقولات شائعةالخلافأبحاث

المزيد من المدونة