أوسع دراسة عن جودة العلاقات وجدت أن هوية شريكك لا تكاد تهمّ
جمع ستة وثمانون باحثاً 43 دراسة طولية وأطلقوا التعلّم الآلي على 2413 متغيراً. ولم تكن أقوى نتيجة أيُّ سمة فازت، بل صنف كامل من السمات خسر.
معظم أبحاث العلاقات مختبر واحد، وعيّنة واحدة، وبضع مئات من الأزواج، وفرضية كان الباحثون مهتمين بها سلفاً. وهذا تصميم جيد لاختبار فكرة بعينها، وسيّئ جداً للإجابة عن السؤال الذي يشغل الناس فعلاً: ما الذي يهمّ أكثر من غيره؟
وفي عام 2020 فعل فريق بقيادة سامانثا جويل وبول إيستويك شيئاً أقرب إلى الثاني. جمعوا 43 قاعدة بيانات طولية من 29 مختبراً، تغطي 11196 زوجاً و2413 مقياساً معظمها تقارير ذاتية، ثم استخدموا التعلّم الآلي ليسألوا: أي هذه المتغيرات يتنبأ بجودة العلاقة فعلاً، وأيها يبدو كذلك فحسب[1]؟
والنتيجة الرئيسية ليست متغيراً بعينه، بل صنف كامل انهار.
التصميم، ولماذا يهمّ
جمع دراسات ليس كإجراء دراسة كبيرة، وهذا الفرق هو ما يمنح هذا العمل قوّته.
فكل قاعدة بيانات هنا كانت طولية، أي أن الأزواج قِيسوا في نقطة بداية ثم تُوبعوا. وهذا يتيح سؤالاً أصعب من المعتاد: لا ما الذي يرتبط بالرضا اليوم، بل ما الذي إذا قيس في البداية تنبّأ بالرضا لاحقاً.
وأدّى التعلّم الآلي هنا غرضاً محدداً يسهل إساءة فهمه. فهو لم يكن للبحث عن سحر خفي. لكن الغابات العشوائية تلتقط تفاعلات وعلاقات غير خطية تفوت الانحدار التقليدي، فإن كان التوافق يعمل كما يفترض الناس، أي بوصفه مسألة التركيبة الصحيحة بين شخصين، فهذه هي الطريقة الأقدر على كشفه.
والأهم أن النماذج دُرِّبت على بعض القواعد ثم اختُبرت على قواعد أخرى لم ترها قط. فأي متنبئ نجح داخل عيّنته وحدها لم ينجُ. وهذه هي الخطوة التي تفصل النتيجة المتينة عن النتيجة المفصّلة على مقاس بياناتها، ولهذا جاءت قائمة الناجين قصيرة.
ما الذي تنبّأ بجودة العلاقة
انقسمت المتغيرات إلى عائلتين، ولم يتقارب أداؤهما إطلاقاً.
المتغيرات الخاصة بالعلاقة، أي كيف يرى الشخص هذه العلاقة بعينها، فسّرت ما يقارب نصف التباين في جودة العلاقة عند نقطة البداية، وما يصل إلى نحو 18 بالمئة من التباين في نهاية كل دراسة. وأقواها: التزام الشريك كما يُدركه الطرف الآخر، والشعور بالتقدير، والرضا الجنسي، ورضا الشريك كما يُدرَك، ومستوى الخلاف.
أما متغيرات الفروق الفردية، أي الحقائق الثابتة عن الشخص نفسه، ففسّرت نحو 21 بالمئة. وأقواها: الرضا عن الحياة، والانفعال السلبي، والاكتئاب، وتجنّب التعلّق، وقلق التعلّق. فحال الشخص النفسية العامة تحمل إشارة حقيقية عن تقييمه لعلاقته، وهذا جدير بألا يُغفل.
وكانت المتغيرات الخاصة بالعلاقة أقوى تنبؤاً من الفروق الفردية بنحو ضعفين إلى ثلاثة أضعاف. فمتى عرفتَ كيف يعيش أحدهم علاقته، لم تُضف معرفةُ من هو إلا القليل.
النتيجة التي تستحق شهرة أكبر
وهذا هو الرقم الجدير بأن تحمله معك: سمات أحد الشريكين كما يصفها هو بنفسه تنبّأت بنحو خمسة بالمئة فقط من التباين في رضا الطرف الآخر عن العلاقة.
خمسة بالمئة. عبر 11196 زوجاً، فإن كل ما يقوله الإنسان عن نفسه، من شخصيته ونمط تعلّقه وقيمه وصحته النفسية ورضاه عن حياته، لا يكاد يخبرك بشيء عن مدى سعادة شريكه بالعلاقة.
وهذا عكس النموذج الذي يستعمله معظم الناس. فالتوافق يُتصوَّر عادةً صفةً لشخصين، ولهذا تطابق تطبيقات التعارف على السمات، ولهذا يدور قدر هائل من النصائح حول التعرّف على النوع المناسب من البشر. وعلى هذه الأدلة، فذلك النموذج يقرأ الحساب مقلوباً.
وخلاصة جويل نفسها يصعب تحسينها: «من أنا» لا يهمّ كثيراً متى عرفتُ «من أكون حين أكون معك».
التعلّم الآلي لم يتفوّق على النسخة البسيطة
نتيجة واحدة نالت اهتماماً أقل بكثير مما تستحق، ولعلها أنفع ما في الورقة للقارئ.
فالنماذج المرنة لم تتفوق تفوقاً ذا معنى على النماذج المباشرة. ولو كانت جودة العلاقة محكومة بتفاعلات معقّدة بين سمات الشريكين، من نوع أن السمة «أ» لا تعمل إلا مع السمة «ب»، لالتقطتها الغابات العشوائية وتفوّقت على النماذج الخطية. لكنها في الغالب لم تفعل.
وهذا دليل ضد فكرة بعينها واسعة الانتشار: أن ثمة معادلة مطابقة تنتظر من يكتشفها، وأن سبب عدم اكتشافها إلى اليوم قلّة البيانات أو قلّة القدرة الحاسوبية. فهذه الدراسة كان لديها من الاثنين قدر غير معتاد، ووجدت أن المعلومة المفيدة ليست في تركيبة سمات شخصين.
بل كانت في شيء آخر: في كيف تسير العلاقة أصلاً.
ما لا تستطيع هذه الدراسة أن تقوله
هي دراسة تقارير ذاتية، وهذا حدّها الجوهري. فكل ما قيس هو ما قاله الناس عن أنفسهم وعن علاقاتهم، والناس ليسوا دائماً دقيقين في أي منهما. وإن كان ثمة أمر مهم لم يخطر لأحد أن يسأل عنه، فهو ليس ضمن المتغيرات الـ2413.
وهناك أيضاً مشكلة اتجاه يقلّلها التصميم الطولي ولا يلغيها. فتنبّؤ إدراك التزام الشريك بالرضا لاحقاً يتسق مع أن الالتزام يسبّب الرضا، ويتسق بالقدر نفسه مع أن كليهما ينبع من شيء أسبق. فالتصميم يستبعد أفجّ صور العلّية المعكوسة، لا كل صورها.
كما تميل قواعد البيانات إلى الفئات التي تصل إليها أبحاث الأزواج الأكاديمية عادةً، وعيّناتها ليست ممثّلة للعالم. ثم إن الدراسة قاست جودة العلاقة لا استمرار الزواج، وهما نتيجتان مترابطتان لا متطابقتان.
ولا شيء من هذا ينقض النتيجة المركزية. لكنه يعني أن القراءة الرشيدة هي أن سمات الشريك تفسّر قدراً ضئيلاً جداً من التباين المقيس هنا، لا أن الشريك لا يهمّ.
ماذا تفعل بهذا
الخلاصة العملية ليست أن اختيار الشريك بلا أهمية، بل أن الاختيار رافعة أصغر مما يبدو، وأن ما يوضع عادةً في كفّة مقابلة له رافعة أكبر بكثير.
فكل متنبئ في صدارة تلك القائمة هو وصف لما يجري بين شخصين، لا صفة جلبها أحدهما معه. هل يبدو شريكك ملتزماً؟ هل تشعر بالتقدير؟ هل العلاقة الحميمة جيدة؟ كيف يمضي الخلاف؟ هذه ليست سمات ثابتة تُفحص سلفاً، بل هي ما تفعله العلاقة، وهي قابلة للحركة.
وهذا يقطع في الاتجاهين، ولذلك ليست نتيجة مطمئنة ببساطة. فهي تعني أن علاقة مع الشخص المناسب على الورق قد تسجّل نتيجة سيئة، وتعني أن العمل على صيانتها ليس زينة. لكنها تنقل موضع السؤال: أقلّ اهتماماً بهل أحسنتَ الاختيار، وأكثر اهتماماً بما تبنيانه الآن.
أوسع محاولة منسّقة حتى الآن للتنبؤ بجودة العلاقة وجدت أن سمات الشريك كما يصفها هو تفسّر نحو خمسة بالمئة من رضا الطرف الآخر، بينما تفسّر كيفيةُ عيش العلاقة أضعاف ذلك. ونموذج التوافق الذي تدور عليه معظم نصائح المواعدة ليس خاطئاً بقدر ما هو مصوَّب نحو الرقم الأصغر. فما يتنبأ بعلاقة جيدة هو في معظمه وصف للعلاقة نفسها.
المصادر
- [1]Machine learning uncovers the most robust self-report predictors of relationship quality across 43 longitudinal couples studies(يفتح في تبويب جديد)
Joel, S., Eastwick, P. W., et al. · Proceedings of the National Academy of Sciences · 2020
المزيد من المدونة
- شرح مبسّط7 دقائق قراءة
لم يتفق معظم الأزواج يوماً على معنى «الخيانة»
يفترض كل زوجين تقريباً أنهما يتشاركان تعريفاً واحداً للخيانة، وقليلون تحققوا من ذلك. واكتشاف الاختلاف في اللحظة الخطأ أشد وقعاً من السلوك نفسه.
- خرافة شائعة6 دقائق قراءة
«نصف الزيجات تنتهي بالطلاق»: توقّع قديم لا إحصاء
أكثر رقم يتردد في الحديث عن الزواج لم يكن قياساً لشيء وقع، بل تقديراً لما كان يمكن أن يقع لو استمرت اتجاهات عقد واحد إلى ما لا نهاية.